أبي الفرج الأصفهاني
95
الأغاني
وجاء القوم في طلبه ، ثم انتهوا إلى تلك الدار ، فأخذ سليمان بن يزيد سيفه ، ثم ذهب ليخرج إليهم ، فبكت بناته ، فقال له حجر : ما تريد ؟ لا أبا لك ! فقال [ له ] : أريد واللَّه أن ينصرفوا عنك ؛ فإن فعلوا وإلَّا ضاربتهم بسيفي هذا ما ثبت قائمه في يدي دونك . فقال له حجر : بئس واللَّه إذن ما دخلت به على بناتك ! أما في دارك هذه حائط أقتحمه أو خوخة [ 1 ] أخرج منها ، عسى اللَّه أن يسلَّمني / منهم ويسلَّمك ؛ فإنّ القوم إن لم يقدروا عليّ في دارك لم يضرّك [ 2 ] أمرهم . قال : بلى ، هذه خوخة تخرجك إلى دور بني العنبر من كندة ، فخرج معه فتية من الحيّ يقصّون له الطريق ، ويسلكون به الأزقّة ، حتى أفضى إلى النخع ، فقال عند ذلك : انصرفوا ، رحمكم اللَّه . يدخل دار عبد اللَّه بن الحارث ثم يخرج منها إلى دار ربيعة بن ناجذ فانصرفوا عنه ، وأقبل إلى دار عبد اللَّه بن الحارث أخي الأشتر ، فدخلها ، فإنه لكذلك قد ألقى له عبد اللَّه الفرش ، وبسط له البسط ، وتلقّاه ببسط الوجه وحسن البشر إذ أتي فقيل له : إن الشّرط تسأل عنك في النخع وذلك أنّ أمة سوداء يقال لها أدماء لقيتهم فقالت لهم : من تطلبون ؟ قالوا : نطلب حجرا ، فقالت : هو ذا قد رأيته في النخع ، فانصرفوا نحو النخع ؛ فخرج متنكَّرا ، وركب معه عبد اللَّه ليلا حتى أتى دار ربيعة بن ناجذ [ 3 ] الأزديّ ، فنزل بها ، فمكث يوما وليلة . زياد يأمر محمد بن الأشعث أن يأتيه بحجر فلما أعجزهم أن يقدروا عليه دعا زياد محمد بن الأشعث فقال : أما واللَّه لتأتيني بحجر أو لا أدع لك نخلة إلَّا قطعتها ، ولا دارا إلَّا هدمتها ، / ثم لا تسلم منّي بذلك حتى أقطَّعك إربا إربا . فقال له : أمهلني أطلبه . قال : قد أمهلتك ثلاثا ، فإن جئت به وإلَّا فاعدد نفسك من الهلكى . وأخرج محمد نحو السجن وهو منتقع اللون يتلّ تلَّا عنيفا [ 4 ] . فقال حجر بن يزيد الكنديّ من بني مرّة لزياد : ضمّنّيه وخلّ سبيله ليطلب صاحبه ، فإنه مخلى سربه [ 5 ] / أحرى أن يقدر عليه منه إذا كان محبوسا . قال : أتضمنه لي ؟ قال : نعم . قال : أما واللَّه لئن حاص [ 6 ] عنك لأوردنّك [ 7 ] شعوب ، وإن كنت الآن عليّ كريما . قال : إنه لا يفعل . فخلَّى سبيله . ثم إنّ حجر بن يزيد كلَّمه في قيس بن يزيد ، وقد أتي به أسيرا ، فقال : ما عليه من بأس ، قد عرفنا رأيه في عثمان رضي اللَّه عنه ، وبلاءه مع أمير المؤمنين بصفّين ، ثم أرسل إليه فأتي به ، فقال : قد علمت أنك لم تقاتل مع حجر أنّك ترى رأيه ، ولكن قاتلت معه حميّة ، وقد غفرنا لك لما نعلمه من حسن رأيك ، ولكن لا أدعك حتى تأتيني بأخيك عمير . قال : آتيك به إن شاء اللَّه . قال : هات من يضمنه معك . قال : هذا حجر بن يزيد . قال حجر : نعم ، على أن تؤمّنه على ماله ودمه . قال : ذلك لك . فانطلقا فأتيا به ، فأمر به فأوقر حديدا ، ثم أخذته الرجال ترفعه ، حتى إذا بلغ سررها ألقوه ، فوقع على
--> [ 1 ] الخوخة : باب صغير في باب كبير ، أو مخرج خلف الدار . [ 2 ] أ : « لم يضروك » . [ 3 ] الطبري : « ناجد » . [ 4 ] تله : صرعه ، أو ألقاه على عنقه وخده . [ 5 ] المختار : « سبيله » ، والمثبت يوافق ما في الطبري أيضا . [ 6 ] حاص : عدل . [ 7 ] في المختار : « لأزبرن بك شعوبا » ، وفي الطبري : « لأزيرنك شعوب » . وشعوب : اسم للمنية .